التغريد خارج السرب فهمي هويدي

كتبهاsdam al ، في 27 أغسطس 2008 الساعة: 07:20 ص

فهمي هويدي

 لا أعرف الى أي مدى يحتمل المزاج العربي دعوة لإحداث نقلة نوعية في الوجهة السياسية، تستهدف توثيق العرب مع الأتراك والإيرانيين، لكني على يقين من أن ذلك يعد تغريدا خارج السرب. فيما يحظى مسلسل التلفزيوني التركي بمتابعة غير عادية في أنحاء العالم العربي، أزعم أنها أحدثت انقلابا في رؤية العرب لتركيا، فإن المراصد السياسية باتت مشدودة الى الدور التركي الصاعد الذي يتحرك بجدية على مستويات عدة، من القمة التركية الافريقية، الى استقبال الرئيس الايراني أحمدي نجاد في اسطنبول، وقبله استقبال الرئيس السوري بشار الاسد، وزيارة أردوغان لبغداد، ودخوله على الخط بين روسيا وجورجيا، وتحركه لتطبيع العلاقات مع خصومه التاريخيين في أرمينيا واليونان، وتوسط حكومته بين سوريا واسرائيل. كل ذلك خلال الاشهر القليلة الماضية. في وقت متزامن، كانت ايران تطور علاقاتها مع روسيا باتفاق على التعاون في مجال الفضاء، بعدما قطعت شوطا في تعاونها معها في بناء مفاعلها النووي في بوشهر، وتمد جسوراَ مع الجزائر أثناء زيارة الرئيس بوتفليقة لطهران، وتستقبل رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي. وأثارت الانتباه في هذا السياق، الزيارة التي قام بها الرئيس أحمدي نجاد لاسطنبول، والتي غادرها متجهاً الى دمشق. ثم زيارة أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة راعي اتفاق الفصائل اللبنانية في الدولة لطهران. هذا القدر المعلن من الاتصالات دفع بعض المحللين الى الحديث عن ظهور نظام إقليمي جديد في المنطقة، تلعب فيه ايران وتركيا الدور الاساسي، كما دفعتهم الى مقارنة هذه التحركات بالسكون المخيم على العالم العربي، واستغراقه إما في الخلافات بين دوله أو في مشاكلها الداخلية، التي استصحبت حالة من الانكفاء القطري أذهلت العواصم على ما يجري في الساحتين الاقليمية والدولية. ما هو جديد في هذه التحركات انها تتم بين دول لها مشاكلها ومراراتها في ما بينها، لكنها انطلقت من رؤية استراتيجية تجاوزت بها عقد الحاضر، فضلا عن أوزار التاريخ. ان شئت فقل ان هذه الدول طوت صفحة التاريخ واستعلت فوق المشاكل الادنى لكي تحقق المصالح العليا. فتركيا وايران على طرفي نقيض على صعيد التحالفات السياسية. فالاولى لها ارتباطاتها مع الولايات المتحدة واسرائيل، وهما الخصمان اللدودان لإيران، وممثلو النظام الاسلامي في طهران يرفضون في زياراتهم الرسمية زيارة قبر أتاتورك مؤسس الجمهورية العلمانية في تركيا، كما يقضي البروتوكول. ولذلك فإن زيارة أحمدي نجاد ولقاءاته تمت في اسطنبول، وكان الاتراك هم الذين رتبوا العملية، ولم يروا ذلك إهانة لمؤسسة الجمهورية، لان هناك مصالح أكبر من البروتوكول. وفي الذاكرة التركية ان ايران أقامت علاقة مع حزب العمال الكردستاني في التسعينيات للضغط على أنقرة. كما ان الصراع المرير بين الدولتين الصفوية والعثمانية لا تزال له مكانة في ذاكرة الاتراك، وفي الوقت ذاته فإن انقرة قلقة من التمدد الايراني في العراق، وتراه إخلالا بالتوازن المفترض بين قوى الجناح الشرقي للمنطقة. وتركيا التي تتمتع الآن بعلاقات ممتازة مع سوريا حتى تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين ٩٠٠ مليون دولار سنة ٢٠٠٧ ـ وهو يزيد أربعة أضعاف التبادل التجاري بين تركيا ومصر (٢٠٠ مليون) ـ كانت على وشك الدخول في حرب مع سوريا وهددت بغزو دمشق عام ،١٩٩٨ بسبب دعمها لحزب العمال الكردستاني وإيواء زعيمه عبد الله أوجلان. وبين البلدين تاريخ مسكون بالعداء والتوتر، منذ عام ،١٩٣٩ عشية الحرب العالمية الثانية حين اقتطعت فرنسا لواء الاسكندرون من سوريا ومنحته لتركيا. وبعد ذلك حين أقامت تركيا مجموعة من السدود التي أثرت على حصة سوريا من المياه، ذلك غير اعتراف انقرة بإسرائيل في وقت مبكر (عام ١٩٤٨)، الامر الذي صنفها ضمن المعسكر المعادي لسوريا. وهو ما تغير الآن ١٨٠ درجة، بحيث أصبحت أنقرة وسيطا في المحادثات بين سوريا واسرائيل. ليست هذه معلومات مما نطالعه في الصحف ونحن نتثاءب، ثم نتحول عنها لنتسلى بأخبار العالم الاخرى. لان هذه التحركات تتم في شمال العالم العربي وشرقه، وبالتالي فإنها تدخل بامتياز في اطار منظومة الامن العربي التي أصبح وجودها محل تساؤل وشك، في ظل غياب الرؤية الاستراتيجية لمصالح المنطقة، على النحو الذي سبقت الاشارة اليه. للاسف فإن ذلك الغياب سمح بإطلاق العنان لإسرائيل لكي تتمدد وتعبث في جنوب العالم العربي ما بين وادي النيل والبحر الاحمر. ان تركيا وايران تشكلان مع العالم العربي (مصر بوجه أخص) »مثلث القوة« في منطقة الشرق الاوسط، الذي تحدث عنه الدكتور جمال حمدان، عالم الجغرافيا السياسية المرموق، في كتابه »استراتيجية الاستعمار والتحرير«. ولان الامر كذلك فإننا نخطئ كثيرا حين نرى تركيا وايران مجرد »جيران« فرضتهما ظروف الجغرافيا، وتشاركنا معهما في التاريخ زمنا، ثم ذهب كل الى حال سبيله، ذلك ان الدولة العباسية التي ورثت الخلافة الاموية قامت على أكتاف العناصر الفارسية، وفي زمانها تأسست أعظم المراكز الحضارية الاسلامية على قاعدة التفاعل بين الفرس والعرب، وبعد أقل من قرنين أصبحت العناصر التركية تلعب دورا بارزا في تاريخ المنطقة، خصوصا تحت مظلة الدولة العثمانية. ولكن دار الاسلام المشرقية انقسمت منذ القرن السادس عشر بين الصفويين في ايران والعثمانيين في تركيا. وقدر لذلك الفصام النكد أن يمهد لتجزئة المشرق الى أقطار شتى في أعقاب الحرب العالمية الاولى، حين اتفق المنتصرون في الحرب على تمزيق المنطقة وتقطيع أوصالها في ظل اتفاقية سايكس ـ بيكو (عام ١٩١٦). لم يبق من ذلك التاريخ الذي تراجع في الواقع وحفظته الكتب، سوى رابطة العقيدة، وبعض آثار التداخل بين الشعوب التي تمثلت في انتشار الحرف العربي في ايران وتركيا (كمال أتاتورك استبدله بالحروف اللاتينية في العشرينيات) وفي تسرب الكلمات العربية الى اللغات المحلية باعتبارها مفردات لغة القرآن، حتى أصبحت تمثل ٤٠ في المئة على الاقل من مفردات اللغتين الفارسية والتركية. كما انتشرت الكلمات الفارسية والتركية في المجتمعات العربية التي عرفت الكباب والكفتة والمسقعة والكشك والكحك والبقلاوة والخشاف والشوربة والطرشي والبقسمات والسميط، وهي كلمات فارسية وتركية. وتداولت ألسنة الناس كلمات فارسية اخرى مثل الدوبارة والفوطة والبراوز والجنزير والدبوس والدورق والشمعدان والكاسة والشاكوش والكباية والكنكة والكوز والدرابزين.. ولا تزال كثير من الأسماء الشائعة ورتب العساكر محتفظة بأصولها التركية مثل نشأت وعصمت ودولت وعفت وعزت، ومثل اومباشي وشاويش ويوزباشي وبكباشي وكراكون وياور وباشا. كما اننا ما زلنا نتداول في بيوتنا كلمات تركية مثل الاودة والسفرة والبطانية والشنطة والشراب والجزمة ونينة وابيه وابلة (الاخ والاخت الكبيران). ولأساتذة اللغات الشرقية المصريين جهد طيب في هذا المجال استفدت منه، خصوصا أبحاث الدكتور حسين مجيب المصري والدكتور محمد نور الدين عبد المنعم والدكتورة ماجدة مخلوف. هذه البصمات الباهتة للتاريخ لا تكاد تقارن بالحضور القوي لحقائق الجغرافيا، التي لم تتغير بفعل الزمن، بل أصبحت أكثر رسوخا وأهمية. لا يزال العرب والايرانيون والاتراك يمثلون كتلة جغرافية متماسكة، تقع في خاصرة العالم وتمثل شريحة أفقية تمتد من المغرب في أقصى الغرب حتى مشهد في ايران شرقا. ومن تركيا في الشمال وحتى اليمن في الجنوب. وهي في موقعها المتمدد في أفريقيا وآسيا وجزء من أوروبا، تسيطر على أخطر الممرات البحرية في العالم، مضائق هرمز وباب المندب والبوسفور والدردنيل وقناة السويس. كما انها تملك أكبر احتياطي عالمي من النفط، الى جانب احتياطات هائلة من الغاز تكاد تحتل المرتبة الاولى في العالم. وتمر عبرها شبكة أنابيب النفط والغاز الذي يغذي العالم الصناعي بأسره. ولا يزال القاسم المشترك الاعظم بين شعوب المنطقة انها في أغلبيتها الساحقة يشدها رابط العقيدة الاسلامية. هذه الخلفية التي توفر فرصة ممتازة لإقامة كتلة بشرية حية تغني حاضر الأمة ومستقبلها لا تبدو حاضرة في الاستراتيجية العربية، وفي غياب تلك الاستراتيجية فقد العالم العربي »بوصلته« الهادية. ولم يكن مفاجئا بعد ذلك ان يضل طريقه وتتخبط مسيرته، فيتمزق صفه تارة ولا يعرف حلفاءه من أعدائه تارة ثانية، وان يستدرج للانخراط في مخططات الآخرين واستراتيجياتهم تارة ثالثة، الامر الذي فرض على الواقع العربي مجموعة من المفارقات بينها ما يلي: ÷ ان العلاقات الاميركية العربية أصبحت أوثق وأمتن من العلاقات العربية العربية. ÷ ان الولايات المتحدة أصبحت لها كلمة في خرائط المنطقة، وفرت لها فرصة تقسيمها الى معتدلين ومتطرفين، بل وفرت لها جرأة التدخل في صياغة أوضاعها الاقتصادية والثقافية، إضافة الى سياساتها الخارجية. ÷ ان بعض الدول العربية تصالحت مع اسرائيل، فيما خاصمت دولا عربية اخرى، كما خاصمت ايران. ÷ ان البعض أصبح يرى ان ايران هي العدو الاول للعرب وليس اسرائيل. ÷ ان اسرائيل أصبحت لاعبا مهما في تركيا وايران (قبل الثورة) فيما ظل العالم العربي غائبا عن البلدين الجارين. ÷ ان اسرائيل أصبحت تمثل في بعض الاجتماعات الامنية المهمة التي تعقدها دول ما سمي بمعسكر الاعتدال العربي، فيما استهجن بعض العرب حضور ايران اجتماع مجلس التعاون الخليجي، واستنكر آخرون طلب تركيا الانضمام كمراقب الى الجامعة العربية. ÷ ان بعض المثقفين المنتسبين الى التفكير الاستراتيجي أسقطوا تركيا وايران من دوائر الانتماء الثقافي والحضاري، وتحدثوا عن إضافة الدائرة الاميركية كمجال لحركة مصر والعالم العربي. كيف يستعيد مثلث القوة عافيته؟ نحاول الاجابة عن السؤال في الاسبوع المقبل بإذن الله

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر